كان يُفترض أن تضع جائزة السلام الأحدث في عالم كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية في العالم إلى جانب الدبلوماسية. لكن الجائزة الأولى التي قدمها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تحولت إلى اختبار لمدى قدرة الهيئة الحاكمة للعبة على التمييز بين الخدمة العامة والاستعراض السياسي. فعندما قدمها جياني إنفانتينو إلى دونالد ترامب في ديسمبر 2025، لم يتساءل المنتقدون عن قدرة كرة القدم على توحيد الناس، بل عن اختيار فيفا للفائز ومبرراته. ولا يزال بإمكان الجائزة أن تكرّم فكرة نبيلة، لكن فصلها الأول خلّف أمام المنظمة أزمة مصداقية يتعين عليها معالجتها.
قُدمت الجائزة خلال القرعة النهائية لكأس العالم 2026، في مناسبة صُممت لإثارة الحماس للبطولة وإبراز الانتشار العالمي لكرة القدم. وأشاد إنفانتينو بترامب، قائلًا إن خطوات اتخذها الرئيس ساعدت على تحقيق السلام، وإنه يستحق التكريم الأول. لكن الجائزة التي تحمل اسم فيفا تنطوي على ادعاء بشأن القيم، ومن الطبيعي أن يتساءل المشجعون عن الأدلة التي تسنده. ووصف منتقدون هذه الخطوة بأنها مجاملة سياسية، فطغت الخلافات حول الفائز على الرسالة التي كان يُراد للجائزة أن توصلها.
ولا تقتصر أهمية رد الفعل هذا على الأضواء السياسية. ففيفا هي أقوى هيئة حاكمة في عالم اللعبة، وخياراتها تؤثر في نظرة مليارات المشجعين إلى كرة القدم ومؤسساتها. وكان بإمكان جائزة للسلام أن تكرّم جهود اللاعبين والأندية والمجموعات المجتمعية التي توظف كرة القدم لتقريب وجهات النظر، ودعم الشباب، أو مساعدة المجتمعات على التعافي من النزاعات. لكن الجدل الذي رافق انطلاقتها جعل الجائزة نفسها محور الاهتمام، وفرض على فيفا أن تثبت قدرتها على أن تكون أكثر من مجرد لفتة بروتوكولية.
ويقع التحدي الآن على عاتق لجنة المسؤولية الاجتماعية في فيفا، التي أُسند إليها الإشراف على الجائزة. ويتيح ذلك فرصة لوضع معايير شفافة، وشرح آلية اختيار المرشحين، وتحديد نتائج يمكن قياس أثرها في حياة الناس. ولن تمحو القواعد الواضحة الانتقادات الموجهة إلى الجائزة الأولى، كما أنها لا تضمن أن تحظى الخيارات المقبلة بقبول الجميع. لكنها قد تمنح المشجعين أساسًا للحكم على ما إذا كان التكريم يقدّر عملًا ذا مغزى، أم يكافئ القرب من أصحاب النفوذ السياسي.
ولا ينقص كرة القدم ما يثبت قدرتها على خدمة المجتمعات. فالفريق قد يمنح الأطفال الذين يعيشون ظروفًا غير مستقرة روتينًا وشعورًا بالانتماء، وقد تجمع مباراة محلية الجيران رغم الانقسامات التي تفرقهم في مجالات أخرى. وتوظف الأندية واللاعبون منصاتهم بالفعل لدعم قضايا مختلفة، فيما تستخدم منظمات القواعد الشعبية الرياضة لإيجاد مساحات آمنة وبناء الروابط. ومن شأن جائزة تروي هذه القصص أن تمنح المشجعين ما يحتفون به على نحو ملموس، وأن تسلط الضوء على العاملين في الميدان، لا على المسؤولين الذين يقدمون الجوائز فحسب.
وبالنسبة إلى فيفا، لا تقتصر الرهانات على الجانب الإنساني، بل تشمل سمعة المنظمة أيضًا. فعليها إقناع جمهور متشكك بأن الجائزة ليست مجرد أداة للتملق لأصحاب النفوذ، ولا سيما أن اختيار أول فائز جعل تجنب هذا الشك أمرًا صعبًا. كما دعا مشرعون أوروبيون إلى التحقيق في القرار، ما زاد التدقيق في تقدير الهيئة الحاكمة للعبة. وإذا ردت فيفا بالشفافية واعتمدت آلية موثوقة، فقد يصبح الجدل دافعًا إلى تحسين الجائزة؛ أما إذا لم تفعل، فقد يظل هذا الجدل هو ما يعرّفها.
يدرك المشجعون أن كرة القدم لا تستطيع تسوية كل النزاعات، وأن أي كأس لا يمكنه أن يشهد على تحقق السلام. لكن الانتشار الواسع للعبة يمنح فيفا فرصة لتكريم أشخاص يستخدمونها لبناء الثقة وفتح آفاق جديدة، غالبًا بعيدًا عن المنصات الكبرى والكاميرات. وسيُحكم على النسخة المقبلة بمقارنتها بالأولى: من خلال المرشح، ومبررات اختياره، والأثر الذي تستطيع فيفا إثباته. وحتى الآن، تبدو جائزة السلام فرصة ضائعة—لكنها تتيح أيضًا إثبات أن كرة القدم قادرة على تحويل جائزة محرجة إلى ما يستحق الاحتفاء به.
