انتزع فيلم «كلايفيس» (Clayface) المصنّف للكبار من إنتاج وارنر براذرز ودي سي صدارة شباك التذاكر المحلي، محققًا 24 مليون دولار في افتتاحه، لكن الإشارة الأكثر إثارة للاهتمام خلال عطلة نهاية الأسبوع جاءت من عمل سينمائي مختلف تمامًا. فقد حقق فيلم «يمكنك رؤية كل شيء» (You Can See Everything)، وهو وثائقي مدته ثلاث ساعات يتمحور حول إليزابيث هولمز، 19.5 مليون دولار في عطلة نهاية أسبوعه الثانية، مقتربًا بذلك من إيرادات افتتاح فيلم جديد مقتبس من القصص المصورة. ويشير استمرار إقبال الجمهور عليه إلى أن رواد السينما لا يختارون ببساطة بين المشاهد المبهرة وخدمات البث؛ بل يختارون القصص التي يرون أنها تستحق مغادرة المنزل من أجلها. وبالنسبة إلى فيلم يستند إلى وقائع حقيقية، لا إلى الأبطال الخارقين أو المخلوقات أو شهرة سلسلة سينمائية، فإن ذلك يمثل تصويتًا لافتًا بالثقة من الجمهور.
ولا تمثل المقارنة منافسة على أي الفيلمين أكثر نجاحًا؛ فقد حل «كلايفيس» في المركز الأول، كما لا يمكن المقارنة مباشرة بين إيرادات عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية وإيرادات فيلم في أسبوعه الثاني. لكن أداء الوثائقي لافت لأن الأفلام التي تجمع بين هذه المدة الطويلة وهذا الموضوع نادرًا ما تحظى باهتمام سينمائي واسع كهذا. فمدته البالغة ثلاث ساعات تتطلب من المشاهدين تخصيص جزء كبير من يومهم لقصة قد يكونون عرفوا تفاصيلها من العناوين الإخبارية. وتشير مبيعات التذاكر إلى أن شخصية عامة معروفة يمكن أن تظل محور تجربة سينمائية آسرة، إذا صاغ صناع الأفلام مادتها في قالب قصصي يرغب الجمهور في خوضه معًا.
تقدم هولمز، المؤسسة السابقة لشركة ثيرانوس، التي أصبحت قصة صعودها وسقوطها حكاية بارزة في وادي السيليكون، شخصية إنسانية غنية على نحو استثنائي، تتشابك فيها الطموحات والإقناع والثروة وعواقب الثقة العامة. فالوثائقي عنها ليس مجرد استعادة لفضيحة شركات؛ بل يدعو الجمهور إلى إعادة النظر في الكيفية التي أقنعت بها رائدة أعمال حظيت بإشادة واسعة شخصيات نافذة بالتصديق بوعد لم يتحقق. ويغيّر العرض السينمائي طبيعة هذه المواجهة، إذ يحوّل المشاهدة الفردية إلى استجابة جماعية لقصة تتناول السمعة والمساءلة. وبالنسبة إلى محبي القصص المستندة إلى الواقع، توحي إيرادات عطلة نهاية الأسبوع بأن الأعمال غير الروائية المعقدة قادرة على امتلاك الجاذبية العاطفية نفسها التي تتمتع بها إصدارات الاستوديوهات الكبرى.
ويكتسب هذا البعد الجماعي أهمية في وقت لا تزال فيه صناعة السينما تحاول إقناع الجمهور بأن دور العرض تقدم تجربة لا تستطيع خدمات البث توفيرها. ففي المنزل، يمكن للمشاهدين إيقاف الفيلم مؤقتًا أو الانشغال بأمور أخرى أو تأجيل مشاهدة عمل طويل؛ أما في صالة السينما، فيلتزم الجمهور بالرحلة كاملة ويعيش لحظات الكشف فيها إلى جانب غرباء. كما أن قوة الإيرادات في الأسبوع الثاني تشير إلى أثر التوصيات الشفهية، وهي شبكة غير رسمية من الترشيحات تساعد على إبقاء الفيلم حاضرًا بعد انحسار الدعاية التي ترافق يوم الافتتاح. وتشير الإيرادات المعلنة، البالغة 19.5 مليون دولار، إلى أن بعض رواد السينما لا تثنيهم مدة الفيلم ولا ألفة موضوعه، ما دام يمنحهم سببًا لمواصلة المتابعة.
وتأتي هذه النتيجة فيما تدرس هوليوود ما يستحق عرضًا سينمائيًا حصريًا، وما يمكن أن يُطرح مباشرة عبر خدمات الاشتراك. وتستفيد أفلام الأبطال الخارقين المقتبسة، مثل «كلايفيس»، من شخصيات راسخة وانتشار تسويقي واسع ووعد بمشاهد ضخمة، ما يجعلها إصدارات مناسبة لتكون أحداثًا سينمائية. أما قدرة وثائقي على الاقتراب من إيرادات فيلم كهذا في أسبوع لاحق، فهي إنجاز من نوع مختلف؛ إذ تثبت أن الإقبال على العروض السينمائية يمكن أن يُبنى حول الأفكار والشخصيات الحقيقية، لا حول الملكيات الفكرية وحدها. ولا يلغي ذلك المخاطر المالية لإنتاج الأعمال غير الروائية، لكنه قد يدفع الموزعين إلى إيلاء مزيد من الاهتمام للقصص التي تجمع بين الأهمية الراهنة والجاذبية الجماهيرية.
وبالنسبة إلى الجمهور، توسّع هذه الأرقام تصورنا لما يمكن أن تبدو عليه عطلة نهاية أسبوع سينمائية ناجحة. إذ يستطيع فيلم مقتبس من القصص المصورة ووثائقي مدته ثلاث ساعات استقطاب أعداد كبيرة من المشاهدين في الوقت نفسه، وتلبية أذواق مختلفة مع تنافسهما على المورد المحدود نفسه: انتباه الجمهور. كما يتحدى هذا التباين افتراضًا شائعًا مفاده أن صغار السن أو رواد السينما غير المنتظمين لا يقبلون إلا على أفلام الحركة أو الكوميديا أو السلاسل المعروفة. فعندما تُقدَّم القصص الواقعية بحجم سينمائي وزخم سردي، يمكن أن تتحول إلى موضوعات للنقاش، وتمنح المشاهدين أسبابًا لمقارنة انطباعاتهم ومواصلة الحديث بعد مغادرة الصالة.
لا تكفي عطلة نهاية أسبوع واحدة لإثبات وجود اتجاه مستدام، كما أن إجمالي إيرادات شباك التذاكر وحده لا يكشف ميزانية الفيلم أو ربحيته أو مدى انتشاره عبر المنصات المختلفة. ومع ذلك، قدم «يمكنك رؤية كل شيء» حجة مقنعة لإتاحة مساحة للأعمال غير الروائية الطويلة على الشاشة الكبيرة، فيما يبرهن «كلايفيس» على أن العروض الضخمة القائمة على سلاسل معروفة لا تزال عامل جذب قويًا. وربما تكمن الدلالة الأهم في تعايش الفيلمين: فالجمهور مستعد لإفساح المجال أمام طموحات سينمائية مختلفة، ما دام كل عمل منها يبدو تجربة تستحق الحضور. وبالنسبة إلى صناع الأفلام وأصحاب دور العرض، يشكل ذلك دليلًا مشجعًا على قدرة الثقافة السينمائية على استيعاب العوالم الخيالية والوقائع الصعبة معًا، وعلى أن القصة الطويلة، إذا رُويت بإتقان، لا تزال قادرة على جمع الجمهور.
