يُقدَّم الذكاء الاصطناعي التوليدي على نحو متزايد بوصفه دليلاً عملياً لاتخاذ القرارات اليومية، بدءاً من مقارنة خطط التأمين وصولاً إلى العثور على إجابات بشأن الخدمات العامة. لكن حين يكون السؤال هو مَن ينبغي انتخابه، قد تتحول توصية روبوت المحادثة الواثقة إلى ما هو أبعد من مجرد وسيلة مريحة، فتغدو وسيطاً سياسياً غير مرخّص. ووجدت دراسة تناولت نحو 500 سباق انتخابي أن نظامين بارزين، هما «غروك» التابع لشركة «إكس إيه آي» ونموذج GPT من «أوبن إيه آي»، وجّها المستخدمين في كثير من الأحيان نحو مرشحين متنافسين. واختلفت توصياتهما في أكثر من 90% من السباقات التي شملها التحليل، ما يطرح سؤالاً مهماً: ماذا يحدث حين يتعامل الناخبون مع إجابة الآلة على أنها نصيحة محايدة؟
وكان النمط الذي رصدته الدراسة لافتاً؛ إذ أوصى «غروك» بأغلبية ساحقة بمرشحين جمهوريين، بينما فضّل نموذج GPT من «أوبن إيه آي» المرشحين الديمقراطيين، وفقاً لنتائجها. ولا يثبت ذلك أن أياً من الشركتين برمج تفضيلاً حزبياً عن قصد، أو أن كل إجابة يصدرها أي من النموذجين تتبع النمط نفسه. لكنه يبيّن أن الطلبات التي تبدو بسيطة للحصول على إرشادات بشأن التصويت قد تؤدي إلى اختلافات منهجية بين المنتجات، حتى عندما يتوقع المستخدمون ملخصاً محايداً لخياراتهم.
تُنشئ النماذج اللغوية الكبيرة إجاباتها عبر توقّع النصوص استناداً إلى أنماط تعلّمتها أثناء التدريب، مع تطبيق تعليمات وضوابط إضافية. وهي لا تستند إلى سجل واحد موثوق ونهائي للحقيقة السياسية؛ إذ قد تعكس إجاباتها المصادر والأطر والافتراضات المتضمنة في البيانات وتصميم المنتج. وقد تتوقف مقارنة المرشحين أيضاً على القضايا التي يركز عليها السؤال، وكيفية تفسير النموذج لكلمة «الأفضل»، وما إذا كان بإمكانه الوصول إلى معلومات حديثة. ومن السهل إغفال هذه التفاصيل التقنية عندما تأتي الإجابة بلغة سلسة ونبرة واثقة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية لأن العثور على معلومات انتخابية بات صعباً بالفعل على كثيرين. فعلى الناخبين تقييم المرشحين والأسئلة المطروحة على بطاقات الاقتراع وقواعد التسجيل والمواعيد النهائية، مع التمييز بين الإرشادات الموثوقة والشائعات ومحاولات التأثير. ويمكن لمساعد يعمل بالذكاء الاصطناعي تسريع البحث عبر شرح مواقف المرشحين من السياسات، أو تبسيط المواد المعقدة، أو توجيه المستخدمين إلى مكاتب الانتخابات الرسمية. لكن التأييد المباشر لمرشح، ولا سيما إذا قُدّم من دون مصادر واضحة أو إشارة إلى مواطن عدم اليقين، ينطوي على خطر إحلال ترتيب غير مفسّر يضعه النظام محل تقدير الناخب.
ولا تشكّل الدراسة دليلاً على أن توصيات الذكاء الاصطناعي غيّرت نتائج الانتخابات. فهي تختبر إجابات النماذج، لا كيفية استخدام الناس لها أو مدى ثقتهم بها أو ما إذا كان الاطلاع عليها يغيّر تصويتهم. ومع ذلك، فإن الاختلاف بحد ذاته مهم: فقد يعرض منتجان يُسوّقان بوصفهما مساعدين متعددي الأغراض المشهد السياسي نفسه بطرق متباينة بشدة. وإذا لجأ الملايين إلى روبوتات المحادثة طلباً لإجابات سريعة، فقد تؤثر حتى الخيارات التصميمية البسيطة المتعلقة بالمصادر والصياغة والضوابط في المرشحين الذين يحظون بالاهتمام وفي الطريقة التي تُعرض بها سجلاتهم.
وتسلّط النتائج الضوء على تحدٍ صعب في تصميم المنتجات أمام شركات التكنولوجيا. فرفض الإجابة عن كل سؤال انتخابي يحرم المستخدمين من معلومات مدنية قد تكون قيّمة، في حين أن اختيار مرشح قد يحوّل شركة خاصة إلى طرف خفي في عملية الإقناع السياسي. وقد يتمثل نهج أكثر مسؤولية في الفصل بين تقديم المعلومات الواقعية والتوصية بمرشحين، والاستشهاد بالمصادر الأولية، والتنبيه إلى احتمال تقادم المعلومات، ودعوة المستخدمين إلى مقارنة المرشحين وفقاً لأولوياتهم. كما يمكن لعمليات تدقيق مستقلة تشمل صيغاً ولغات وأنواعاً مختلفة من الانتخابات أن تكشف ما إذا كانت الفوارق مستمرة، وأن تساعد الشركات على توضيح كيفية استجابتها.
ويمكن للناخبين أيضاً الحد من المخاطر بالتعامل مع مخرجات روبوتات المحادثة بوصفها نقطة انطلاق لا حكماً نهائياً. وينبغي لهم التحقق من إجراءات التسجيل والتصويت لدى سلطات الانتخابات المحلية وعلى مستوى الولايات، ومراجعة الادعاءات بالاستناد إلى مواد المرشحين والأدلة غير الحزبية والتغطيات الصحفية الموثوقة. ويكتسب ذلك أهمية خاصة لأن أنظمة التسجيل والمواعيد النهائية تختلف باختلاف المناطق؛ فقد لا تنطبق إجابة تبدو معقولة على ظروف ناخب بعينه. ويمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تنظيم البحث، لكنه لا يستطيع تحمّل المسؤولية المدنية عن التحقق من صحة المعلومات أو تحديد ما يستحق الاهتمام.
وتتجاوز القضية الأوسع نطاق روبوتَي محادثة بعينهما أو دورة انتخابية واحدة. فمع تحوّل الذكاء الاصطناعي الحواري إلى واجهة شائعة للبحث والتسوق والعمل والمعلومات العامة، ستؤثر توصياته في ما يراه المستخدمون أولاً وفي البدائل التي يضعونها في الحسبان. ولا يتحقق الحياد السياسي بمجرد ادعائه؛ بل يتطلب خيارات تتعلق بالبيانات والتقييم والشفافية والمساءلة، يمكن اختبارها علناً. وتقدم الدراسة تحذيراً لا حكماً نهائياً: فقد يوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق الوصول إلى المعلومات الانتخابية، لكنه قد يدفع الناخبين أيضاً في اتجاهات متعاكسة، من دون أن يبدو أنه يفعل أكثر من الإجابة عن سؤال، ما لم تُعتمد ضوابط فعّالة.
